أخبار عاجلة
الرئيسية / زاوية الرأي / الأحزاب وأزمة تجديد النخبة السياسية المغربية…
13924950_10210209358096253_4340937879465466973_n

الأحزاب وأزمة تجديد النخبة السياسية المغربية…

تعتبر ظاهرة الأحزاب السياسية من الظواهر التي صاحبت تطور الدولة ابتداء من القرن 18م، وهي من المحددات الأساسية للنظام السياسي، حيث يفترض أن تلعب دورا في إرساء البناء الديموقراطي – ممارسة وتنظيرا –  داخل كل نظام سياسي، من خلال مدخل التعددية الذي يسمح بالتنافس للوصول إلى السلطة بشكل سلمي.

امتلاك الأحزاب لهذه القدرة أي إرساء البناء الديمقراطي متوقف على ما تزخر به من نخب سياسية فاعلة متفاعلة مع محيطها الاجتماعي، مبادرة في نقل معرفتها العلمية/ النظرية إلى مستوى سلوك السياسي الخادم للجماهير و المؤَطّر بمنظومة قيمية تقيم حدودا بين العلم و الأيديولوجيا و تجعل الأخر مقتنعا بإقامتها.[i] مع أن الأمر هنا لا يتعلق بقدح للأيديولوجيا أو تقليل من قيمتها في إرساء ”  ما يسمى بالمشروعية السياسية La légitimité politique” كضرورة لاستجلاب ولاء ورضى الجماهير دون أن تكون السلطة التي تدعمها استبدادية وشمولية[ii].

السؤال الذي يبدو مركزيا، هل تملك النخبة السياسية المغربية وعيا يؤهلها للعب دور في تجاوز الأزمات المجتمعية من خلال ابتكار حلول تتجاوز انتهازيتها الضيقة في البلوغ إلى السلطة (وبأي طريقة)؟

أولا: في مفهوم النخبة

يستعمل مفهوم النخبة عند منظري علم الاجتماع السياسي بمسميات مختلفة تحكمها الخلفيات الفكرية لهؤلاء، فماركس مثلا وانسجاما مع نظرته للمجتمع المنطلقة من فكرة الطبقات والصراع الطبقي، لا يميز بين النخبة السياسية و الطبقة الحاكمة أو المسيطرة مالكة وسائل الإنتاج (الأسياد، ملاكي الأرض، البورجوازية) مقابل طبقة محكومة مكونة من البروليتارية و الأقنان أو العبيد. ويعتبر بلوغ المجتمع الشيوعي حيث تنتفي الطبقات ” مجتمع آلي – وحده الكفيل بجعل الناس كل الناس يمارسون السيطرة على أقدارهم متحررين من طغيان أشياء وضعوها هم أنفسهم (الدولة، بيروقراطية، تكنولوجيا….)

نظرة ماركس هذه والتي اتهمت بكونها مغرقة في الأيديولوجيا كانت مصدر تأثيرا على مفكري القرن 19 وحدهم الرغبة في نقد هذه النظرية. فحاول موسكا[iii] في كتابه ” الطبقة الحاكمة ” أعتبر أن سيطرة النخبة ضرورية… ويجب أن تتألف من الطبقة الوسطى أساسا، وما يضمن استمرارها امتلاكها لمجموعة من المواهب والمزايا.

المفكر الأمريكي روبرت داهيل (2014يRobert Alan Dahl (1915- عرف النُّخبة بأنها ” مجموعة من الأفراد الذين يشـكلون أقليـة وتسـود تفضيلاتهم عند حدوث اختلاف التفضيلات المتعلقة بالقضـايا الأساسـية فـي المجتمع”[iv]. و هو نفس الاتجاه نفسه كان قد تبناه المفكر الفرنسي الطوباوي سان سيمون Saint Simon  ( المجتمع هرم واسع تتمركز في قمته نخبة توجهه وترسم مساره).

باختصار يمكن تعريف النخبة على ” أنها صفوة أو طليعة المجتمع، تمتلك مؤهلات فكرية وادارية ومالية، وتهيمن على مصادر النفوذ والقوة والسلطة والثروة، مثل: الخبرة، والمهارة، والمعرفة، فضلاً عن المؤهلات التكنوقراطية والبيروقراطية التي تؤهلها لإدارة مفاصل معينة من الدول الحديثة” [v].

ثانيا: النخبة السياسية المغربية

يعتبر جون واتربوري أول من تناول مفهوم النخبة السياسية المغربية من خلال كتابه “أمير المؤمنين.. الملكية والنخبة السياسية المغربية”[vi] حيث اعتبر هيكل النخبة السياسية مكون أساسا من البرجوازية الحضرية والفئة المستفيدة من المصاهرات السياسية لدى العائلات الفاسية والأرستقراطية الفلاحية، وبنسبة أقل بعض الدائرين في فلك الجيش والإدارة الذين واكبوا التحديث الاستعماري الفرنسي. وخلص إلى أن هذه النجبة في المجمل خاضعة لاحتواء مخزني (المؤسسة الملكية بالأساس والداخلية وما يدخل تحت إمرتها من عمال وباشوات وقادة أمن …)، فالنخبة السياسية بالنسبة له كانت مجرد أداة للتحكم غير قادرة على بلورة ثقافة سياسة وطنية تستوعب قيما التحديث والتغيير الديمقراطي وزاد الأمر تعقيدا بما أبانت عنه هذه النخبة من وصولية وتعطش للنفوذ والمنافع المادية.

ج. واتربوري ركز بشكل كبير على قناة الوراثة في تشكل النخب وتجددها واغفل وبشكل كبير النخبة السياسية التي أفرزتها المدرسة وحاجة إدارة الدولة الكبيرة لطبقة متعلمة ذات كفاءة معرفية حيث سمح بالتسلل إلى الدائرة الضيقة لبعض الفئات الشعبية لكنها كما ذهب إلى ذلك إدريس بن علي، ظلت وفية ل “ثقافة المصلحة الفردية والانتهازية والفكر الماركنتيلي.. ما يهم النخبة السياسية المغربية هو رضى المركز والحفاظ على الحظوة لديه”[vii].

فالنخبة وعلى مر التاريخ المغربي أهم ما يطبعها هو الطابع التقليداني[viii]، وتوظيف الثقافة وفق الظروف، رغم محاولة الظهور بأنها حداثية وعصرية.

مع ما سمي بالربيع العربي وحراك شباب 20 فبراير ظهرت نخبة جديدة أو على الأرجح ارهاصات نخبة جديدة، قادها بعض مثقفي المعارضة من اليسار الراديكالي وبعض رجال الأعمال وثلة من المثقفين اللامنتمين هاجسهم التغيير وتأطير شباب الحركة ومعهم مجموع الجماهير الحالمة بالتغيير، لكن قدرة المخزن كانت أقوى من إرادة هؤلاء فتم تدجين البعض واحتواء بعض أخر من خلال اغراءات. واثبتت المؤسسة ملكية قدرتها الفائقة على امتصاص مختلف الصدمات.

خلاصة القول أن النخبة السياسية في غالبيتها العظمى لم تكن نخبة هم مجتمعي أو نخبة منحازة للسواد الأعظم من الشعب، بل أبانت عن انتهازية و وصولية في تعاطيها مع الشأن المجتمعي، كل همها بلوغ المناصب و تحقيق المكاسب كما كانت في المرحلة التي وثق لها ج. واتربوري. المسؤولية في ذلك يتقاسمها سعي نظام على ديمومته و نخب غير قابلة بالتجديد سواء على مستوى آليات اشتغالها أو قدرتها الاستقطابية.

********************************

[i]  غاية البحث العلمي هي الوصول إلى الحقيقة المثبتة في حين يرمي الخطاب الإيديولوجي إلى إثبات ما يريد إثباته كحقيقة مطلقة. و هو ما ذهب إليه محمد عابد الجابري بالقول، الحقيقة العلمية قوامها دعامتان: الموضوعية وإمكانية التحقق. المقصود بالموضوعية هو التعامل مع موضوع البحث كما هو، أي في استقلال عن آرائنا وعواطفنا، وذلك إلى الدرجة التي يصبح معها بالإمكان الاتفاق بين الباحثين على ما هو إياه ذلك الموضوع. فإذا قام اتفاق بيننا على أن هذا الشيء الذي أمامنا هو الشيء الفلاني وليس غيره، هو قطعة خبز وليس حجراً مثلا، قلنا إن علاقتنا المعرفية بهذا الموضوع علاقة موضوعية.

[ii]  مأزق الأيديولوجيا أنها تبرر السلطة وتحاول اقناع الناس بمشروعيتها سواء كانت ديمقراطية أو استبدادية، حيث تسعى و من خلال منطقها التبريري إلى إعفاء الدولة من ممارسة القهر- العنف المادي- إلى سلك طريق العنف الرمزي من خلال الهجوم الفكري.

[iii]  GaetanoMosca، The Ruling Class (Elementi di Scienza Politica).Translated by Hannah D Kahn. (New York: McGraw-Hill Book Company. 1939.

[iv]  مولود سعادة، النُّخبة والمجتمع، تجدد الرهانات الباحث الاجتماعي عدد 10 سبتمبر العدد 95، 2010.

[v]  للاستزادة في التعريف يمكن الرجوع إلى – دينكن ميشيل، معجم علم الاجتماع، ترجمة د. إحسان محمد الحسن، دار الرشيد للنشر، بغداد، 1980، ص117-118 –

[vi]   كتاب “أمير المؤمنين.. الملكية والنخبة السياسية المغربية” في الأصل أطروحة دكتوراه في العلوم السياسية أنجزها الطالب الأميركي جون واتربوري أقام من أجل انجازها في المغرب بين سنة 1965 و1967. صدر الكتاب أول مرة باللغة العربية سنة 1982 عن دار الوحدة ببيروت و لم يسمح له بالطبع في المغرب إلا سنة 2004.

[vii]  يمكن الرجوع في هذا الصدد إلى كتاب ” التنمية والانتقال نحو اقتصاد السوق”

[viii]  وصف يعاضده تعبير عبدالله حمودي ” الشيخ و المريد : النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة”، ترجمة عبد المجيد جحفة، دار توبقال للنشر، الطبعة الرابعة 2010.

Print Friendly

عن سعيد بوطيب

شاهد أيضاً

14022081_1401128893250593_391136455422133079_n

العلام: هل نعيش حالة الاستثناء …

ينص الفصل 59 من الدستور المغربي على أنه: “إذا كانت حوزة التراب الوطني مهددة، أو ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *