أخبار عاجلة
الرئيسية / أقلام حرة / الفقراء لا يدخلون الجنة …
cats

الفقراء لا يدخلون الجنة …

عبد الكريم ساورة

على جانب الطريق التأم جمع غفير من النساء بالقرب من باب المستشفى مزينين بالعديد من الصور المعبرة ولافتات مكتوبة عليها مطالب عدة، الكرامة، الصحة للجميع، لا للرشوة، لا لبيع الشواهد الطبية وغيرها من المطالب الصغيرة، شعرت بالمرارة والآسى لهذا المنظر البئيس وجعلني أزيد اعتقادا أن الفقراء يولدون فقراء وتظل مطالبهم طول العمر لا تخرج عن دائرة الفقراء.
في مدن الهامش كمدينتي، الناس بسطاء جدا، لايطلبون الكثير، يحبون وطنهم حد النخاع ويدعون للملك بطول العمر ربما ليتسنى لهم أن يلتقوا به ذات مرة ويشكون له فقدان فلذات أكبادهم بسبب لسعات العقارب وعن ندرة الأسرة بقسم الولادة، وربما عن انشغال المسؤولين بزوجاتهم وأولادهم أكثر مما هم منشغلون بشؤون الناس ومشاكلهم.
الفراغ يخيم على المدينة، فراغ في كل شئ، كل واحد من المسؤولين يشكوا قلة الوسائل والموارد، حيلة من لا حيلة له، لأأحد منهم يستطيع أن يقول الحقيقة، لا أحد منهم يمكنه أن يشير إلى الداء، لا أحد يتحدث المسؤولية، الكل يعرف كلفتها، الكل يداري ويتمادى ويزيد في صناعة السقوط المدوي للجميع.
أمام مبنى عمالة الإقليم كل يوم جيش من المحتجين، يتقدمهم طفل صغير يرفع صورة الملك، غريب دائما الملك يتزعم كل المسيرات، المواطن أصبح ذكيا جدا، فهو يقدم الملك في الصوف الأمامية حتى إذا ماهاجم رجال الأمن والقوات المساعدة وانهالوا عليهم بالضرب، تكون صور الملك خصوصا ذات الحجم الكبير أكثر من يتلقى هذه الضربات القوية لاقدر الله، لكن السلطة ورغم أنها دائمة التسرع في كل قرارتها ، فإنها في هذا الشق ” النضالي ” لرجالها تكون أكثر ثريتا واتزانا، فهي بالتأكيد لاتخاف على شق رؤوس المحتجين، وإنما تخاف على قطع رؤوسها.
وأنت تحاول الولوج إلى مبنى العمالة، يشد انتباهك فوج من المحتجين على يمين الباب، المنظر شديد الإحمرار ومثير ومشتعل قد لا تستطيع أن تفرق بين الرجال والنساء والأطفال بسبب كثرة الأعلام الوطنية الحمراء والقنينات البلاستيكية على اختلاف ألوانها، الغريب أنهم لا يطالبون بإسقاط الفساد ولا بالملكية البرلمانية ولا التوزيع العادل للثروة ولا محاسبة الفاسدين، فقط، يطالبون بالماء ليس للإستعمال ولا للسقي وإنما للشرب، فقط الشرب، مطلب صغير لازال من أكبر المطالب لدى بعض دواويرهذه المدينة.
صورة أخرى أكثر كاريكاتورية، تخطف بصرك، هذه المرة على يسار مبنى العمالة، لافتات كبيرة مكتوب عليها ” قبر الحياة “، الجملة بالفعل قوية ومؤلمة وتحتاج بالفعل ” لمفسري الأحلام ” لتفكيك رموزها وأبعادها .
لا شك أن المهمة ستكون صعبة، صعبة جدا، عندما يتعلق الأمر بفئة كبيرة من ساكنة المدينة خاصة من ضواحيها والتي تتردد على هذا المبنى الضخم ولسان حالها يقول : متى يحن قلب المسؤول الأول بالإقليم ويعطي أمره السامي لتسوية وضعية العديد من الملفات” العالقة ” والتي تخص قضية السكن،” قبر الحياة ” المشكل الذي يؤرق الجميع، باعتباره من أخطر الملفات حيث تتداخل فيه اعتبارات سياسية وانتخابية وإدارية وقانونية، خصوصا أن أغلب الأراضي التي تم نزعها من السكان لفائدة المصلحة العامة تندرج ضمن أراضي الجموع. هل الدولة تعوض هؤلاء الغلابة ؟ نعم، بدون شك، لكن يوم ما يمكن أن يتحقق الحلم ، فإن لم تعشه، لايصيبها اليأس فيمكن أن يعيشه أحفادها…..وهذه حكاية أخرى…
قدر الساكنة في هذا الملف وغيره من الملفات الصغيرة هو الإنتظار،ولا غير الإنتظار، الوجبة الدسمة التي تربى بها كل المغاربة، لكن سرعان ماتنشرح أساريرهم، عندما تبد أ تنزل قطرات المطر، أمل المغلوبين، فينصرفون لحرث الأرض على صغر حجمها معتقدين أنهم دخلوا الجنة من بابها الكبير، فيتركون الجمل وماحمل من مطالبهم ترمى في القمامة، السلطة لا محالة ستتكلف بعملية الحرق بعد مرور أيام قليلة .

Print Friendly

عن سعيد بوطيب

شاهد أيضاً

received_10210687066324425

معجزة … بقلم عبد الكريم ساورة

عبد الكريم ساورة كان يتسول أمام المسجد، لباسه ممزق ووجه قاحل يغطيه شعر خفيف وعينان ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *