أخبار عاجلة
الرئيسية / أقلام حرة / صانع الزمن، عبد الكريم ساورة
received_10209970697975664

صانع الزمن، عبد الكريم ساورة

الحياة مسبح كبير، تحتاج لمن يَسْبحُ جيدا، حتى لا يغرق في نصف الطريق، الأمر يحتاج إذن لمهارات كبيرة وليقظة وصبر دائمين حتى لا يبتلعه الماء في لحظة ضعف أو سهو ……….

شدني كثيرا رجل اعرفه أكثر من عشرين سنة زرته نهاية الأسبوع من أجل إصلاح ساعة يدوية، وكان الوقت يصادف صلاة المغرب، وكنت متيقنا أنني لن أجده بالمحل، لأنه يواظب على الصلاة في أوقاتها، أجدني مستغربا لهذا الجيل من الرجال، ملتزمون بدينهم بالفطرة دون ضجيج أو إشهار، إنها ثقافة التدين الحقيقي الذي تربى عليه المسلمون في كل الأقطار العربية بدون وساطة مصطنعة.

ومن أجل قتل لحظات الانتظار، فكرت بالقيام بجولة صغيرة بين المحلات الشعبية، خصوصا أن المحل يتواجد بسوق شعبي قديم يدعى ” درب العطارة ” هذا الدرب لوحده له تاريخ من القصص التي تحكيها النساء، لأنهن الأكثر ارتيادا لهذه المحلات من اجل الصحة والعطور والسحر ، وبخصوص الرجال الذين يخافون من السحر، لا تخافوا فالمرأة لا تسحر سوى للرجل الذي تعشقه بجنون، والعجيب بهذا السوق أنه في كل مرة أزور هذا المكان أشعر بالزمن يعود بي إلى الوراء، كل شئ فيه يجعلك تشعر ببساطة الحياة وطبيعتها رغم ما أدخل عليه من إصلاحات من تبليط للشارع ومن بعض الرتوشات، لكن الوجه لا زال يحمل وشما جميلا رغم أننا بدأنا نفقده مع البنايات الزجاجية الحديثة.

بنفس الدرب توجد فنادق قديمة جدا، فنادق لعبت دورا كبيرا في استقبال الغلابة من البائعين المتجولين والمتسولين وبائعة الهوى، والفكاهيين وبعض الفئة ممن يمتهنون الغناء الشعبي بالألة الموسيقية اليدوية تدعى ” الكنبر”والذين كانوا معظمهم يتجولون بالمدينة وأسواقها صباحا تم يعودون أدراجهم مساء ليقضوا ليلتهم بهذه الفنادق الشعبية.

كانت هذه الفنادق عالما خاصا، أغلبها مبنية بالطين لا تتعدى مترين على متر، الزنازن أرحم منها، بدون ماء ولا كهرباء ولا مراحيض ، وكان هؤلاء الوافدين عليها من كل المناطق يجدون فيها مأوى من لا مأوى لهم خصوصا أن المبيت لايتعدى خمسة دراهم لليلة الواحدة، والعجيب في الأمر أن هناك من الأمهات المطلقات أو الأرامل من اتخذته سكنا دائما لها واعتبرته ملكا خاصا لها وقد وجدت السلطة صعوبة كبيرة جدا في بداية التسعينات – عندما تدخلت جمعيات حقوقية وطالبت بإفراغهم لأنهم لاتتوفر فيهم أدنى شروط العيش – لإقناعهم بالمغادرة لان أبناءهم وبناتهم ترعرعوا بداخله وأصبحوا جزء لا يتجزء من هذا المكان الموحش وقد شكلوا في الأخير جمعية للدفاع عن حقوقهم وكان حق السكن هو أهم هذه الحقوق ولو في قلب القمامات والقذورات، المهم إنهم يدافعون عن حياة ما، بكل فظاعتها وكوابيسها…… ربحا للوقت عدت أدراجي عند صاحب المحل، فوجدته كالعادة منشغلا لايتوقف لحظة كخلية نحل، أمام المحل الذي لايتعدى هو الآخر مترين على متر كغار للنمل كان رجلا ستيني واقفا، استقبلني بابتسامته المعهودة، كان جميل الوجه لم يأكل منه الزمان أي شئ، يتحدث بهدوء تام، لا تستطيع أن تفارقه لعذوبة ولحن كلامه كأنه موسيقي من العهد الكلاسيكي ، وكل كلمة ينطق بها محسوبة ومضبوطة كالساعات التي يقوم بضبطها عندما تفقد توازنها. انتهى من إصلاح ساعة كانت بين يديه لذلك الزبون الواقف، طلب منه تجريبها، وفورا حرك الرجل رأسه تعبيرا منه عن إصلاحها فأخرج ورقة من 20 درهما من جيبه، فرد عليه صاحب المحل وبسرعة هذا كثير، فأنا لم افعل شيئا لأتقاضى كل هذا الأجر، وكانت هذه هي عادته مند أن عرفته مند سنين، لم أرى رجلا في حياتي في عفته وقناعته، وقد ربى أبنائه وتخرجوا جميعا بفضل بركة هذا المحل، سلمه الرجل 10 دارهم فرد عليه هذا كثير هذا كثير…….

كان الرجل في كل مرة أمر أمام المحل ينهض للسلام علي بحب كبير، ويسألني هل من نضال، وهل من جديد، فأرد عليه كالعادة ، ” غير شوية وصافي ” فيرد علي بثقة ويقين : المهم لا تتوقف ياولدي، واصل واصل…..

كان الرجل يؤمن كل الإيمان أن التغيير لايمكن أن يتحقق في ليلة أو ليلتين أو حتى أسبوع، أو سنة، وإنما هو عمل متواصل ودؤوب لكل من يحمل فكرة أصيلة. ولا أخفي عليكم فالرجل بحكم احتكاكه الطويل في إصلاح قلب ونبضات الساعات أصبح خبيرا في تحسس الأعطاب، ربما تعلم الحِلْمْ والصبر على إصلاح وتغيير الأشياء من الداخل ببطء وهدوء، ربما هذا ما ينقصنا، وربما هذه هي الفلسفة التي يجب أن نعلمها للأجيال القادمة. في اللحظة التي ودع فيها الرجل، تسلم مني الساعة اليدوية، وهو يقوم بفتحها سألني عن أحوالي وعن العائلة وعن الجديد في الساحة ، وكنت أجيب بعفويتي المعتادة ، إن الأمور تسير من سيء إلى أسوء وأن البلاد تحتاج إلى تصور جديد والى عقول جديدة والى أخلاق جديدة ، فابتسم ورد بسخريته المعهودة: ومن سمعك ياولدي ؟ وزاد بثقته المعهودة لاتقلق هناك رب رقيب، الأهم هو التشبت بالأمل……..

وضعت يدي في جيبي، فرد بسرعة لا تفعل، الحياة تحتاج إلى نفس طويل،و هناك أشياء كبيرة تنتظركم ، أما أنا يضيف: فلم أفعل شيئا لأتقاضى عليه هذا الأجر…….

Print Friendly

عن سعيد بوطيب

شاهد أيضاً

received_10210687066324425

معجزة … بقلم عبد الكريم ساورة

عبد الكريم ساورة كان يتسول أمام المسجد، لباسه ممزق ووجه قاحل يغطيه شعر خفيف وعينان ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *